أحمد بن علي القلقشندي

49

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

* ( مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * ( 1 ) ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين نحن بسيرهم مهتدون ، وبآثارهم مقتدون ، وعلى آله وصحبه الغرّ الكرام الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون ، صلاة لا يختلف في فضلها اثنان ، ولا يتنازع في قبولها خصمان ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فلما كانت مرتبة الشرع الشريف هي أعلى المراتب ، ومنصب حكَّامه في الورى أرفع المناصب ، إليه تنتهي المخاصمات فيفصلها ثم لا تعدوه ، ويحكم فيه على الخصم فيذعن لحكمه ثم لا يشنوه ( 2 ) ، بل يتفرّق الخصمان وكلّ منهما بما قضي له وعليه راض ، ويقول المتمرّد الجائر لحاكمه : قد رضيت بحكمك فاقض فيّ ما أنت قاض ؛ وناهيك برتبة كان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو المتصدّي للقيام بواجبها ، والخلفاء الراشدون - رضوان اللَّه عليهم - محافظين على أداء رواتبها ؛ ثم اختصّ بها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء من الخليقة ، واستأثروا بها دون غيرهم من سائر الناس فهم أهلها على الحقيقة ؛ إذ لا يؤهّل لهذه الرتبة إلا من ارتقى إلى درجات الكمال ، واتّصف بأحسن الأوصاف واحتوى على أنفس الخصال ، وتضلَّع من العلم الشريف بما يرويه ، وفاق في العقل والنقل بما يبحثه ويرويه . ولما كان المجلس الفلانيّ هو عين هذه القلادة وواسطة عقدها ، وقطب دائرتها وملاك حلَّها وعقدها ؛ إذ هو « شريح » الزمان ذكرا ، و « أبو حامد » سيرة و « أبو الطَّيّب » ( 3 ) نشرا ؛ لا جرم ألبسته أيّامنا الزاهرة من الحكم ثوبا جديدا ، وأفاض عليه إنعامنا نحلة نعقبها - إن شاء اللَّه تعالى - مزيدا . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زالت الشريعة المطهّرة بمناصرته في أعزّ

--> ( 1 ) النساء / 65 . ( 2 ) شنأه : أبغضه . ( 3 ) الإشارة إلى أبي الطيب المتنبي الشاعر ، وأبي حامد الغزالي الفيلسوف شيخ الإسلام ، وشريح القاضي .